محمد رأفت سعيد
203
تاريخ نزول القرآن الكريم
التربوي ، فمما ذكره في ذلك : أن يقال - مثلا - : إن ابن أمّ مكتوم رضي اللّه عنه كان يستحق الزجر فكيف عاتب الله رسوله على أن عبس في وجهه ؟ وأما استحقاق الزجر فلوجوه أحدها : أنه وإن كان لفقد بصره لا يرى القوم لكنه لصحة سمعه كان يسمع مخاطبة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم أولئك الكفار ، وكان يسمع أصواتهم أيضا ، وكان يعرف بواسطة استماع تلك الكلمات شدة اهتمام النبي صلّى اللّه عليه وسلم بشأنهم ، فكان إقدامه على قطع كلام النبي صلّى اللّه عليه وسلم وإلقاء غرض نفسه في البين قبل تمام غرض النبي صلّى اللّه عليه وسلم إيذاء . ثانيا : أن الأهم مقدم على المهم ، وهو كان قد أسلم وتعلم ما كان يحتاج إليه من أمر الدين ، أما أولئك الكفار فما كانوا قد أسلموا وإسلامهم سبب لإسلام جمع عظيم ، فإلقاء ابن أم مكتوم ذلك الكلام في البين كالسبب في قطع ذلك الخير العظيم لغرض قليل . ومما أجاب به عن هذا التساؤل : أن الأمر وإن كان على ما ذكرتم إلا أن ظاهر الواقعة يوهم تقديم الأغنياء على الفقراء ، وانكسار قلوب الفقراء ؛ ولهذا كانت المعاتبة ونظيره قوله تعالى : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ [ الأنعام : 52 ] . ومن هذه التساؤلات : أنه عليه الصلاة والسلام كان مأذونا في أن يعامل أصحابه على حسب ما يراه مصلحة ، وأنه عليه الصلاة والسلام كثيرا ما كان يؤدب أصحابه ويزجرهم عن أشياء ، وكيف لا يكون كذلك وهو - عليه الصلاة والسلام - إنما بعث ليؤدبهم وليعلمهم محاسن الآداب ، وإذا كان كذلك كان ذلك التعبيس داخلا في إذن الله تعالى إياه في تأديب أصحابه ، وإذا كان ذلك مأذونا فيه ، فكيف وقعت المعاتبة عليه ؟ ويجيب عن هذا التساؤل أنه صلّى اللّه عليه وسلم كان مأذونا في تأديب أصحابه لكن هاهنا لما أوهم تقديم الأغنياء على الفقراء ، وكان ذلك مما يوهم ترجيح الدنيا على الدين فلهذا السبب جاءت هذه المعاتبة « 1 » . بهذا يتضح وضوح فكرة إعلاء القيمة الجديدة في النظرة إلى الإنسان ، ووزنه على أساس سليم عادل يقدر فيه الإنسان بما يقدمه نفسه من تقوى ، وهذا الأساس يتساوى فيه الناس جميعا ويكون فيه المجال للتسابق الذي يسعد البشرية ، كما يتضح إهدار الأسس الظالمة في تقويم الإنسان بما لا حيلة له فيه من عصبية أو ذرية أو مال أو غيره من مقاييس تثير العداوة والبغضاء بين الناس .
--> ( 1 ) تفسير الرازي 31 / 54 ، 55 .